Back
BackToMain
PrevMode
Mode
הרשמה
أخبار
معطيات ومعلومات
مواعيد استقبال الجمهور
محاضرات وندوات تربوية
احتفالات ومراسيم الاعياد
رحلات وفعاليات اجتماعية
النادي النسائي الأرثوذكسي
سرية كشافة يوحنا المعمدان
مقالات وكتابات
لمحات من التاريخ
احصاء ابناء الطائفة في حيفا
صور من حيفا
منح للطلاب الجامعيين
مواقع انترنت محلية
ads
*المئات في حيفا يشاركون في"صلاة من أجل السلام" بدع
أمسية فنية في نادي حيفا الثقافي - حيفا جمالُ معتّق
الاحتفال في حيفا بإصدار كتاب "محطات بين القرية و ا
نادي حيفا الثقافي يُحيي أمسية احتفالية احتفاء بصدو
الإجتماع الأخير للهيئىة التمثيلية الأرثوذكسية في ح
أمسية ثقافية في حيفا احتفاء بصدور كتاب" في سبيل ال
التاريخ يحدث في حيفا: تقارب بين الكنيسة الأرثوذكسي
الكنيسة الأرثوذكسية في حيفا تستقبل وفدا من كنيسة ا
صلاة الهجمة وقداس منتصف الليل في كنيسة يوحنا المعم
الآلاف يشاركون في مسيرة استقبال فيض النور الموحدة
الجمعة العظيمة وجناز المسيح في كنيسة يوحنا المعمدا
خميس الأسرار في كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذكسية ف
الكنائس المسيحية في حيفا تتوحّد في أمسية صلاة وترا
الآلاف يردّدون "هوشعنا في الأعالي" في دورة الشعاني
برنامج امسية صلاة وترانيم
مسيرات كشفية بمناسبة أحد الشعانين وعيد الفصح المجي
أبناء الطائفة الأرثوذكسية في رحلة سياحية- دينية ال
بحلول عيد الفصح: عشرون مقعدا في كنيسة يوحنا المعمد
مطران شرق الأردن فيلومنوس يترأس خدمة المديح في كن
معرض صور تاريخية للقاء بابا روما و بطريرك القسطنطي
أعمال تركيب المكيفات الهوائية في كنيسة
يوسف خوري رئيس المجلس الملّي الأرثوذكسي الوطني في
عازف الدرامز ، المرنّم طوني باسيلا: " صوتي مُكرّس
المطران كرياكوس يترأس صلاة المديحة الثانية في كنيس
المطران عطاالله حنا يترأس قداسا في كنيسة حيفا
بهدف الوقوف بحزم لمحاولات سلخ المسيحيين عن عروبتهم
المجمع الكنسي لبطاركة الكنائس الارثوذكسيه في العال
موقع رسمي برحلة حجّ قداسة البابا فرنسيس إلى الأرض
صلاة المديحة الأولى للسيدة العذراء في كنيسة يوحنا
الشخصية المقدسيّة حنا سنيورة خلال لقاء الطائفة
وفد أورثذكسي من حيفا يلتقي البطريرك ثيوفيلوس
المجلس الملي الارثوذكسي يهنئ المحتفلين
الاعياد المباركة تجمع بين ابناء الشعب الواحد
الاب ديمتري - كلمات يسوع على الصليب

كلمات يسوع على الصليب

 

"إلهي، إلهي، لماذا تركتني" (متى 46:27) ، (مرقس:34:15)

"اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لايعلمون ماذا يفعلون" (لوقا34:23)

"الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس: (لوقا43:23)

" يا أبتاه في يديك أستودع روحي" (لوقا:46:23)

"قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك، ثم قال للتلميذ هوذا أمك" (يوحنا26:19-27)

"فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان" (يوحنا28:19)

"فلمّا أخذ يسوع الخل قال قد أُكمل" (30:19).

 

        مقدمة:

        من الضروري أن نتأمل في كلمات المخلص الأخيرة هذه لأنها لم تصدر عنه صدفة بل كل واحدة منها مثقلة بالمعاني، ولطالما كانت هذه الكلمات موضوع تأمل وبحث في التقليد الكنسي لكن دون التوصل لاستنفاذها جميعاً، ويُعتبر أن ثمة ثلاثة مظاهر رئيسية بإمكانها أن تساعد في التوجيه للاقتراب من هذا السر:

        1- إن الذي على الصليب هو ماسيا الآتي ليتمم النبوآت.

        2- إن الذي على الصليب هو الله الذي به كان كل شيء.

        3- إن الذي على الصليب تجسّد وصار إنساناً بالكلية، إذ هو ابن الله، إله حق كأبيه، قد تنازل طوعاً من أجل محبته لنا وأخلى ذاته لكي يقاسمنا الطبيعة البشرية، واحتمل الإهانات والضرب والهزء والعذاب على الصليب لكي يقاسمنا سقوطنا البشري.

        إذاً سبعة آيات تكلم بها يسوع على الصليب، يشترك متى ومرقس بواحدة منها وينفرد لوقا ويوحنا بآياتهم. يخاطب يسوع في هذه الآيات عدة أشخاص، فقد خاطب الله الآب: "إلهي إلهي.." وتكلم مع البشر أيضاً، مع القديسين منهم ( العذراء ويوحنا الحبيب) ومع التائبين (لص اليمين).

والجدير بالذكر أن كلمات يسوع على الصليب لم يكن فيها لعنة لأحد أو عقاب بالرغم من كل الآلام والاضطهادات.

        ليس في الأناجيل ما يسمح بمعرفة الترتيب الزمني الذي فيه قيلت هذه الكلمات، كما يبدو أنه من الأفضل تقديمها بحيث تتقارب فيها الكلمات التي ينقلها الإنجيلي نفسه، ماعدا الأولى المشتركة بين متى ومرقس.

        " إلهي، إلهي، لماذا تركتني"  (متى46:27)، (مرقس34:15).

        هذه العبارة لا تعني أن لاهوت المسيح قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الابن..أي لا تعني الانفصال، وإنما تعني أن الآب تركه للعذاب والألم، والابن قبل هذا الترك وتعذب به وهو من أجل هذا جاء..كان تركاً باتفاق..لم يكن تركاً أقنومياً بل تركاً تدبيرياً. كان ممكناً للابن ألاّ يشعر بألم، بقوة اللاهوت، ولو حدث ذلك لكانت عملية الصلب صورية ولم تتم الآلام فعلياً ولم يتم الفداء.

إن عبارة "تركتني" تعني أن آلام الصلب كانت آلاماً حقيقية.

كثير من المفسرين يرون أن الرب بقوله "إلهي إلهي لماذا تركتني" إنما كان يذكّر اليهود بالمزمور الثاني والعشرين الذي يبدأ بهذه العبارة. إذاً هو يذكّرهم باسم المزمور لأنهم لا يعرفون المزامير بأرقامها الحالية وإنما يسمون المزمور بأول عبارة فيه (كما يفعل بعض الرهبان في أيامنا).

        لقد قيل الكثير عن هذه الصرخة منها ا، يسوع كان مثل كل يهودي يتلو المزامير في صلاته اليومية، وقد أنشد على الصليب هذا المزمور قبل أن يموت. وإذا دققنا في هذا المزمور فإننا سوف نلاحظ إلى أي مدى يتناسب هذا النص مع التعليق على الصليب في الجلجلة: "أما أنا دودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر من الشعب" (مز7:22) ، "كل الذين يرونني يستهزئون بي.. ويقولون:اتكل على الرب فلينجِّه ولينقذه لأه سَرّ به" (مز8:22)، وهذا ما كان يحدث مع المسيح على الصليب حيث كان الناس يقولون: "خلّص آخرين وأما نفسه فلا يقدر أن يخلصها.. قد اتكل إلى الله فلينقذه الآن إن كان راضياً عنه" (متى39:27-44). وأيضاً "ثقبوا يدي ورجلي، إلى تراب الموت وضعوني" (مز16:22) حيث تذكّرنا بما حدث قبل انتصاب الصليب: يسوع على الأرض واليهود يسمرونه بعنف على الخشبة. "يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون" (مز18:22) متى ومرقس يذكران حادثة الجند الذين لا يريدون تمزيق لباس المسيح الذي بدون خياطة، بينما يؤكد يوحنا أن هذا كان يجب أن يحصل لكي تتم الكتب.

        من الواضح أن داود النبي الذي قال هذا المزمور، لم يثقب أحد يديه أو قدميه، ولم بقسم أحد ثيابه ولم يقترعوا على قميصه.. وإنما هذا المزمور قد قيل بروح النبوة على المسيح، وكأن المسيح يقول لهم: اذهبوا واقرؤوا مزمور "إلهي إلهي لماذا تركتني" فهو صورة عن آلامي.

كل نص المزمور بدأ يتحقق لذلك قال يسوع :"قد أُكمل"، وبما أنه عاش على الصليب كل ما سبق لكاتب المزامير أن وصفه، فهو بالتالي عاش أيضاً ما تنطوي عليه الجملة الأولى من المزمور: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" لقد شعر فعلاً بتخلي الله عنه، هنا تكمن ذروة التخلي، هنا يكمن بالضبط سر خلاصنا. لأنه لو كان يسوع مجرّد انسان لما أفادنا موته على الصليب بأكثر مما أفادنا به موت كثيرين من الأنبياء أو الأبطال الذين ماتوا فداء عن البشرية. هذا يعني أن مهمته تقتضي منه بعد أن أتى من "جوف الآب" أن يحمل الله إلى الناس. لو مات يسوع ولم يقم من بين الأموات لكانت كرازته باطلة(كما يقول القديس بولس).

        لكن لماذا قال المسيح "إلهي إلهي"؟؟ لقد قالها بصفته نائباً عن الإنسانية، يتكلم الآن كإبن للإنسان، أخذ طبيعة الإنسان وأخذ موضعه ووقف نائباً عن الإنسان وبديلاً عنه أمام الله، وضعت عليه كل خطايا البشر، وهو الآن يدفع ديونهم. هنا نرى البشرية كلها تتكلم على فمه فهي بعد الخطيئة والانفصال عن الله تصرخ على فمه "إلهي إلهي لماذا تركتني".

أي أن هذه العبارة لم تكن نوع من الاحتجاج أو الشكوى إنما كانت مجرد تسجيل لآلامه وإثبات حقيقتها وإعلاناً بأن عمل الفداء سائر في طريق التمام.

 

        "اغفر لهم يا أبتاه أنهم لا يعلمون ماذا يفعلون"(لو34:23).

        المسيح في عمق آلامه على الصليب كان منشغلاً بغيره لا بنفسه، لم يذكر آلامه ولا تعبه ولا جراحاته، بل كل ماكان يشفله هو محبته للبشر.

هذه العبارة تحمل عمق المحبة والمغفرة الإلهية، فهو يطلب المغفرة لجلاديه، ليست هذه المرة الأولى التي يُطلب فيها من الله أن يغفر لمذنبين، فقد تضرّع إليه موسى من أجل الشعب العبري أثناء الخروج، كما أنه في كتاب يونان قد تحنن الله بنفسه على شعب نينوى.

لكن المسيح هنا لم يطلب الغفران فقط وإنما التمس العذر للشعب أيضاً، هذا الشعب الذي صرخ قبلاً "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت15:27)، وجد لهم عذراً فقال: "لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".

هذه الحجة يذكرها أيضاً لوقا عند موت استفانوس أع60:7 ، أع17:3.

يقدم المسيح في هذه الآية مثالاً عملياً لتنفيذ وصاياه، لقد قال من قبل "أحبوا أعداءكم..أحسنوا إلى مبغضيكم"وها هو بنفسه ينفذّ ما سبق وأوصى به الناس.

        على أن قول المسيح "يا أبتاه اغفر لهم" لا تعني أنه غفر لجميع صالبيه على الإطلاق، فلا يمكن أن يتمتع بالمغفرة إلاّ من ينطبق عليهم شرطان مبدئيان جوهريان هما الإيمان والتوبة، مع باقي وصايا الرب اللازمة للخلاص. لقد قال الكتاب "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد"، لكن هل تمتع العالم كله بالخلاص؟ كلا، فخلاص المسيح لم ينله إلاّ "كل من يؤمن به" لذلك قيل في باقي الآية "لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16:3)، أما عن شرط التوبة فيقول عنه الرب في إنجيل لوقا سابقاً "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو3:13)

        إذاً تُفسّر هذه الآية على أنها اختصار لرسالة المسيح واتمام لها، فبالنهاية لماذا تجسد المسيح؟ لماذا أخذ صورة العبد وصار في هيئة انسان؟ لماذا علق على خشبة؟ أليس من أجل أن يغفر الآب لهؤلاء. ويستعمل يسوع هنا كلمة أبتاه ليثبت ألوهيته، فهو الإله التام الذي مات على الصليب غالباً الشيطان من أجل هذه المغفرة.

 

        "الحق أقول لك أنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 43:23)

        لقد صُلب المسيح ما بين لصين ليتم قول الكتاب "وأحصي مع الأثمة" (أشعيا12:53).

أحد اللصين (وهو الذي عن شمال السيد حسب التقليد) لم يكف عن التجديف متحدياً يسوع حتى يخلص نفسه، ويخلصه معه ليدلّ بذلك على قدرته، وكان يقول له "إن كنت أنت المسيح المخلص فخلِّص نفسك وإيانا". وكان اللص الآخر مثل شريكه، قاطع طرق وربما مجرماً، وهنا نرى استمراراً لمسيرة المسيح التي لم يتردد أن يسير فيها مع العشارين والزواني والخطاة، هذا اللص الذي عن اليمين بدلاً من أن يشتم السيد، ندم في لحظة خاطفة وتاب إذ قال "أما نحن فبعدل لأننا نال استحقاق ما فعلنا.." (لو41:23)، لقد عرف طبيعة ملكوت الله الحقيقية وفهم أن يسوع هو الملك.

إن اللص الشكور التمس رحمة يسوع وهي رحمة معطاة لنا دائماً. لم يكتف يسوع بأن يأخذ علماً بإيمان هذا اللص ويحتفظ به إلى يوم قيامة الأموات، لكنه كان لمجرد سماعه إياه يتضرع إليه ويقول "اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك" يجيبه بسرعة "اليوم تكون معي في الفردوس".

        وكان هذا اللص أول إنسان كلمه يسوع على الصليب، فتغيّر فجأة ودخل الإيمان إلى قلبه فانقلب من معيِّر إلى مدافع ومن مستهزئ إلى رجل صلاة وإيمان.

لكن السؤال كيف وصل الإيمان إلى هذا اللص؟ كيف آمن بالرب، والرب كان في آلامه لا في مجده، في استهزاء الناس به وليس في سعيهم إليه طلباً للشفاء والبركة؟   

هناك تفاسير عدة منها أن لعل مغفرة الرب لصالبيه (الآية 34) قد أثّرت في اللص القاسي القلب وإذا بلطف الله يغلب قسوته. أو لعل هذا اللص كان عنده استعداد داخلي للتوبة، كان أرضاً صالحة لم تجد بعد من يفلحها.

        المسيح لم يرد على كثيرين طوال مدة المحاكمة والتعذيب والصلب: لم يرد على قيافة رئيس الكهنة، وبيلاطس الوالي الذي حاكمه كان متعجباً جداً من صمته، كثيرون استهزؤوا به فلم يرد عليهم، واللص اليسار نفسه كان يعيره فلم يجبه أيضاً، أما هذا اللص اليمين فما أن قال له "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" حتى تلقى الجواب: "الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس". وقد دخل هذا اللص الفردوس عن جدارة واستحقاق. كان عجيباً فيما فعل: لقد اعترف بالمسيح رباً فقال له "اذكرني يا رب"، واعترف به ملكاً فقال له "متى جئت في ملكوتك"، واعترف به مخلصاً قادراً أن ينقله إلى الفردوس. والنقطة الأهم أن هذا اللص الوحيد الذي دافع عن السيد المسيح وسط تلك الآلاف، لم يدافع عنه أحد الإثنى عشر، لم يدافع عنه واحد من التلاميذ السبعين، لم يدافع عنه واحد من الذين شفاهم أو أقام موتاهم أو أخرج منهم الشياطين. ومن هنا يقول الآباء أننا لا نعرف من هم المختارون.

        وقد استند الآباء على هذه الآية للرد على عدد من الادعاءات الباطلة، ففيها عملان يثبتان ألوهية المسيح: فهو لم يصلّ من أجل اللص للمغفرة ودخول الفردوس، وإنما قال له بسلطان "اليوم تكون معي.." وكأنه بهذا باشر عمله كديان عادل. كذلك فتح الفردوس وهو أمر لم يقو عليه أحد من قبل.

وبقول الرب "في الفردوس" إنما أراد أن يوضح للص أن ملكوته هو ملكوتاً روحياً في السموات، وأن مملكته ليست من هذا العالم كما يطلب العلميون، ولكن ملكوت السماوات لا يدخله الناس إلاّ بعد القيامة العامة، أما بعد الموت فيذهبون إلى مكان الإنتظار، ومكان انتظار الأبرار هو الفردوس. (هذا المفهوم موجود عند بعض اليهود في ذلك الزمان وقد وردت عند لوقا وإن لم يلفظها مباشرة (لو22:16-31).

كما أن عبارة "اليوم تكون معي" دليل أكيد على عدم وجود مطهر كما يظن البعض، فاللص دخل الفردوس في نفس يوم وفاته دون أن يذهب إلى مايسمى المطهر. كما أن كلمة "اليوم" تنفي الفكرة التي يظن بها البعض أن روح الميت تتردد على أماكن سكناها حتى اليوم الثالث إلى أن تصلي الكنيسة صلاة في اليوم الثالث لصرف تلك الروح.

 

        "يا أبتاه في يديك أستودع روحي" (لو46:23).

        إن هذه الآية كالتي سبقتها (إلهي إلهي لماذا تركتني) مأخوذة من المزمور (5:31): "لإي يديك استودع روحي، فديتني يا رب إله الحق". ويقول الإنجيليان متى ولوقا أن يسوع أطلق كلتا العبارتين "بصوت عظيم".

هذه الآية تثبت ثقة المسيح الأمر الذي يعبر عنه المزمور السادس عشر "جسدي يسكن مطمئناً لأنك لن تترك نفسي إلى الهاوية.." (مز9:16-10).

يرى الآباء في هذه العبارة طمأنينة لنا من جهة خلود الروح، إنها لا تنتهي بالموت، الموت بالنسبة له مجرد عبور أو انتقال من حياة إلى حياة.

 

"فقال لأمه: أيتها المرأة هذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هذه أمك"  (يو26:19-27).

        في البدء نذكر أن هذا التلميذ هو يوحنا  الذي اتكأ في العشاء الأخير على صدر يسوع.

وينفرد يوحنا بسرد هذا المشهد وهو جزء من شخصيته الأكثر خصوصية. حيث يبدأ يوحنا في الآية السابقة (25) بتحديد يتميز به عن رواية الأناجيل الإزائية فيقول: " كانت واقفات عند صلب يسوع"، في حين أن الأناجيل الإزائية تذكر بالعكس أن النساء وأصدقاء يسوع الآخرين كانوا ينظرون "من بعيد"، فنستطيع أن نرى في هذا علامة أخرى للمنزلة التي يتفرّد بها يوحنا بين التلاميذ كشاهد واقف بالقرب من يسوع.

        في معنى أول مباشر لهذه الآية يمكن أن نتصور أن يسوع في بادرة حنان أخيرة نحو أمه فيسلمها إلى من كان يحبه والذي يعلم أنه الأقرب إليه، وقد استطاع البعض أن يلاحظوا أنه كانت في الشرق عادة مثل هذه (ولا تزال) بشأن الأمهات الأرامل  لئلا يتركن في الوحدة.

الرب يخاطب أمه بعبارة سبق واستعملها في عرس قانا الجليل "يا امرأة". ويبدو أن المسيح لا يملك شيئاً لكنه كان يملك يوحنا فأعطاه لأمه.

        كون المسيح يعهد بأمه إلى تلميذه يوحنا يحمل دلالة أكيدة على أن السيدة العذراء لم يكن لها أبناء آخرون بعد المسيح كما يدّعي البروتستانت، لأنه لو كان لها أبناء لكانوا أولى بعنايتها ورعايتها من أي شخص آخر.

 

        "أنا عطشان" (يوحنا28:19)

        ولما رأى السيد أن كل شيء قد تمّ استشهد ثانية بالعهد القديم بالمزمور 21:69 الذي يقول: "وفي عطشي سقوني خلاً" ، وفي تتمة إنجيل يوحنا نجد أن جندياً أكمل النبوة حيث ملأ الإسفنجة خلاً وسقى المسيح.

        يفسر البعض هذا العطش علمياً أو منطقياً بأن مياه جسده قد تصفّت ونزفت لأسباب كثيرة: بعضها لأجل العرق الذي سال منه كقطرات دم في بستان الجسماني (لو 44:22)، والعرق الذي سال منه في الطريق وهو يحمل الصليب، وطوال المدة تحت أشعة الشمس المحرقة في نصف النهار، بالإضافة إلى الدم الكثير الذي نزف منه بسبب الجلد وإكليل الشوك والمسامير.. بسبب كل ذلك جف حلقه واحتمل حتى لم يبق في جسده قوة فقال "أنا عطشان".

        لاشك أنه كان عطشاناً من الناحية الجسدية، ومن الناحية الروحية كان عطشاناً أيضاً لهذا الخلاص الذي يقدمه للعالم،كان عطشاناً لعبارة "قد أكمل" التي سيقولها.. مثلما قال للمرأة السامرية "أعطني لأشرب" ولم يكن يقصد هذا الماء المادي الذي كل من يشرب منه يعطش أيضاً والذي لم يأخذه منها، وإنما كان عطشاناً إلى خلاصها وخلاص أهل السامرة كلهم.

إذاً استجابة لصرخة المسيح يقوم أحد الجنود الرومانيين بإدناء اسفنجة مملوءة خلاً من فمه. البعض يفسّر ذلك أنه قسوة لا موجب لها بحق معذَّب يحتضر. ولكن الأمر هو العكس، فالحقيقة أن الجند الرومانيين كانوا يزوَّدون في البلاد الحارة بشراب خاص هو مزيج من الماء والخل من شأنه أن يقطع العطش، أما يوحنا يذكر هذا الإناء المملوء خلاً وهذا العطش من قبيل التلميح إلى الكتاب المقدس والاستشهاد به.

 

        "قد تمّ كل شيء"  (يو30:15)

        في تتمة هذه الآية يقول يوحنا "أسلم الروح" وهي تتلاءم مع كلمات السيد التي ذكرها القديس لوقا: "يا أبت في يديك أستودع روحي" (لو46:23)، إن هاتين العبارتين تترابطان بشدة، يسوع يقدّم حساباً لأبيه، الذي يستودعه روحه، بأنه قد أتم إرادته حتى النهاية إذ "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه" (يو13:15).

كلام السيد هذا يجب أن نقرأه بالارتباط مع ذلك الذي يذكره القديس لوقا: "لا يعلمون ما يفعلون"، لأنه لما ملت يسوع على الصليب تمّت الكتب بدون علم أولئك الذين صلبوه.

        لقد أنجز السيد مهمته وأنهى حياته على الأرض تحمّل وضع العبد حسب مشيئة الآب وبعون الروح، مكمّلاً عمل الخلاص ومحطّماً مملكة الشيطان، لذلك يسمي الآباء هذه الصرخة: هتاف النصر والفرح.

خاتمة:

        وهكذا نجد كيف تكلم يسوع على الصليب بسبع كلمات كانت كلها حياة لنا.

فهو لم يتكلم أثناء المحاكمات ولا أثناء التعذيب والاستهزاء إلاّ نادراً، كان يغلب عليه الصمت. أما على الصليب فقد تكلم حين وجب الكلام، وكان لكل كلمة هدف ومعنى.

ونلاحظ في كلماته عنصر العطاء، فقد أعطى لصالبيه المغفرة، وأعطى للص اليمين الفردوس، وأعطى للعذراء إبناً روحياً ورعاية واهتماماً، وأعطى ليوحنا بركة العذراء في بيته.

كما أن غالبية كلمات المسيح كانت موجهة إلى الآب: "يا أبتاه إغفر لهم"، "يا أبتاه في يديك أستودع روحي"، "إلهي إلهي..". ونلاحظ في كلامه مع الآب استعمل

                                                                      إعداد:  

                                                        الأب ديمتريوس سمرا